ابن عجيبة

203

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

تنبيه : ذكر الفخر الرازي ، في تفسيره ، عن الشهرستاني أن إبليس جرت بينه وبين الملائكة مناظرة بعد الأمر بالسجود لآدم ، فقال لهم : إني أسلم أن اللّه خالقي وموجدى ، وهو موجد الخلق ، ولكن لي على حكمته أسئلة : الأول : ما الحكمة في إيجاد خلقه ، لا سيما وكان عالما بأن الكافر لا يستوجب عند خلقه الآلام ؟ الثاني : ما الفائدة في التكليف ، مع أنه لا يعود عليه نفع ولا ضرر ، وكل ما يعود إلى المكلفين فهو قادر على تحصيله لهم من غير واسطة التكليف ؟ الثالث : هب أنه كلفني بطاعته ومعرفته ، فلما ذا كلفني بالسجود لآدم ؟ الرابع : لما عصيته فلم لعننى وأوجب عقابي ، مع أنه لا فائدة له ولا لغيره فيه ، وفيه أعظم الضرر ؟ الخامس : لما فعل ذلك فلم مكننى من الدخول إلى الجنة ووسوسة آدم ؟ السادس : ثم لما فعل ذلك ، فلم سلطني على أولاده ، ومكننى من إغوائهم وإضلالهم ؟ السابع : ثم لما استمهلته بالمدة الطويلة في ذلك فلم أمهلني ، ومعلوم أن العالم لو كان خاليا من الشر لكان ذلك خيرا ؟ . ه . قال شارح الأناجيل : فأوحى اللّه إليه من سرادقات الكبرياء : إنك ما عرفتني ، ولو عرفتني لعلمت أنه لا اعتراض علىّ في شئ من أفعالى ، فأنا اللّه لا إله إلا أنا لا أسأل عما أفعل . قال الشهرستاني : اعلم أنه لو اجتمع الأولون والآخرون ، وحكموا بتحسين العقل وتقبيحه لم يجدوا عن هذه الشبهات تخلصا ، أما إذا أجبنا بما أجاب به الحق - سبحانه - زالت الشبهات واندفعت الاعتراضات . ه . قلت : من تشمرت فكرته بنور المعرفة ، وعرف أسرار الحكمة والقدرة ، لم يصعب عليه مثل هذه الشبهات ، وسأذكر الجواب عنها على سبيل الاختصار : أما الحكمة في إيجاد خلقه ؛ فخلقهم ليعرف بهم . وفي الحديث القدسي : « كنت كنزا لم أعرف ، فأحببت أن أعرف ، فخلقت خلقا لأعرف بهم ، وليظهر بهم آثار قدرته وأسرار حكمته . وأما تعذيب الكافر بالآلام فليظهر فيه مقتضى اسمه المنتقم . أما فائدة التكليف ؛ فلتقوم الحجة على العبيد ، وليتميز من يستحق الإحسان ممن يستحق العذاب ، فإذا عذبه لم يكن ظالما له ؛ وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً « 1 » ، ولتظهر صورة العدل في الجملة . وأما تكليفه بالسجود لآدم ؛ فلأنه ادعى المحبة ، ومقتضاها الطاعة للحبيب في كل ما يشير إليه ، ولا تصعب إلا في الخضوع للجنس ، أو من دونه ، فأمره بالسجود لمن دونه في زعمه ؛ ليظهر كذبه في دعوى محبته ، وأما لعنه وطرده ؛ فهو جزاء من كذب

--> ( 1 ) من الآية 49 من سورة الكهف .